لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ
حياةٌ في مواجهة الموت
هذا النص هو ترجمة لمقالة كايل
"إنك تبلي بلاءً حسنًا في مواجهة هذا الخطب".
سمعت هذه الكلمات، أو ما يشابهها، مئات المرات حتى الآن. عادةً ما أسمعها في مستشفى (لقد قضينا وقتًا طويلًا، طويلًا جدًا، في المستشفيات)، ولكن ليس دائمًا. أنا على يقين أن كل من قالها كان صادقًا، ولكن ما الذي تعنيه هذه الكلمات ؟ كيف لي أن أتعامل مع هذا الأمر "بشكل جيد" أصلًا؟
يبدأ الأسى باكرًا
إذًا، إنه السرطان. قد يقفز المرء، في لحظة واحدة، إلى فكرتين نقيضتين: “هذه هي النهاية”؛ وفي الوقت نفسه، “لن يكون الأمر بتلك الخطورة”. لقد حدث ذلك معي. لست متأكدًا ما الذي خطر في بال زوجتي؛ إذ لم أفكر في أن أسألها حتى هذه اللحظة. أعرف شعور كلانا في وقت لاحق من ذلك اليوم، بيد أني لا أعرف ما الذي وقع في خلدها عند الصدمة الأولى المروعة. هرعتُ إلى المنزل لأكون معها.
ذهبنا في نزهة سيرًا على الأقدام. حدث ذلك قبل أكثر من عامين.
تبدأ رحلة الحزن في اليوم الأول. لا تحاول كتمه. اسمح لنفسك أن تتدرب على كل حزن مستقبلي كلما استطعت: لا تقل "قد لا يحدث ذلك أبدًا"، أو - وهذا أسوأ - أن ترفض التفكير فيه تمامًا. لا تملك ترف أن تُصدم، أن تُؤخذ على حين غرة. فالوقت لا يكفي أبدًا.
لقد عاين الأطباء والممرضون في المستشفيات هذا المشهد مرات لا تحصى؛ مرضى أو أفراداً من عائلاتهم في حالة من الإنكار أو الهستيريا، إذ لا يملكون في مثل هذا الموقف سبيلاً إلى السيطرة. وليس لديهم دافع لخلق شعور بالأُنس في مكان لم يرغب المرء يومًا في الانتماء إليه.
نحن نصلي في المستشفى، فالصلوات حاضرة دوماً. بيد أننا نلعب أيضاً، ونقرأ الكتب، ونخرج في نزهات (حين يكون ذلك ممكناً).
ومع ذلك، لا بد للأسى أن يباغتك أحياناً. فثمة أوقات لا يمكن للمرء أن يسمح له فيها بذلك، لكن حين يستطيع، يتوجب عليه أن يدعه يأتي. أستقبله كزائر، دون أن أتخذه صديقًا.
الانتظار الطويل
في البداية، سينهمر عليك سيل من التعازي والرسائل المفعمة بالأمل من الجميع. سيظهر أناس لم يتواصلوا معك منذ سنوات ليقدموا الدعم. لكن هذا لن يدوم. لا أحد يمتلك هذا القدر من الصبر على مآسي شخص بالكاد يعرفه. يصبح الأمر مكرورًا.
أنا أيضًا أتعب من الأمر أحيانًا. أجد نفسي أتمنى لو أن كل هذا قد انتهى، ثم أكره نفسي لتلك الأمنية. أجد شيئًا من السلوى في فهم حقيقة هذا الشعور. أنا لا أحزن على فقدان زوجتي فحسب؛ بل أحزن على فقدان مسار مستقبلي ممكن. كيف لي أن أتفرَّس ما قد يخبئه المستقبل الآن؟
منذ عقدٍ من الزمن تقريبًا، اكتشفنا أننا لن ننجب أطفالًا أبدًا. قد عشنا مع هذا الأسى منذ ذلك الحين، بيد أنه كان ثمة عزاءٌ واحد يلوذ به المرء: "كلانا ينحدر من عائلات تعيش طويلاً، وسنبقى معاً وقتاً طويلاً جداً".
كنت أفكر أحيانًا في ذكرى زواجنا السبعين. أما الآن فللأسف، يبدو أننا لن نحتفل حتى بالذكرى العشرين.
بيد أنه بالنسبة لكثيرين، سيتبدى الأمر مجرد أنانية محضة، تكاد تشعر بها [منذ الآن] في تساؤلاتهم المضمرة: لمَ لا تزال تتعامل مع هذا الخطب؟ وكم من الوقت سيستغرق هذا على أي حال؟
"بطاقة السرطان" موجودة، لكن حدها الائتماني منخفض بصورة تثير الجنون.
لعبة الأرقام
كثيرًا ما أنزلق إلى برود الإحصاءات، بيد أن لهذا اللجوء غاية. كم من الوقت يُرجح أن يكون لدينا؟ وما هو مقدار الفرح الذي ما زال بالإمكان تحصيله في هذا الوقت؟ ومن يمكننا أن نرى؟ وماذا بمقدورنا أن نفعل؟
في البداية، بدت الأرقام مروعة، لكن بالنظر إلى الوراء لم يكن الأمر كذلك. فقد أخبرنا الأطباء أن فرصة الشفاء في الجراحة الأولية تبلغ ثمانين بالمئة. ولست على يقين مما يشعر به غير المعتادين على علم الاحتمالات عند سماع ذلك، لكنه لم يقدم لنا الكثير من العزاء؛ فالأمور التي تحدث بنسبة الخُمس تحدث طوال الوقت. (بيد أن الأمور التي تحدث بنسبة ثلاثة من مئة تحدث أيضاً، كما أظل أقول لنفسي الآن)
لكن الأرقام استمرت في التدهور. أولًا، انتشر المرض إلى الرئتين. وبعد أكثر من عام، ظهر في الغدة الكظرية. والآن، في الكبد.
"الآثار الجانبية" كانت أمراضًا كارثية في حد ذاتها. لقد تم نقل عظم الشظية (fibula) بالكامل تقريبًا من ساقها إلى وجهها لتحل محل فك دمرَّه النخر الإشعاعي للعظام (osteoradionecrosis). تقول إنها لم تعد تشبه نفسها. وهي على صواب وخطأ في آن. بيد أني لا أستطيع أن أكذب عليها وأقول إنها جميلة كما كانت دائماً؛ فالكذبة ستؤلم بقدر ما تذكرها الحقيقة.
حياتها موسومة بالألم، والإرهاق، والآثار الجانبية المعقدة للعلاجات المناعية والإشعاعية والكيميائية. ولكن عليك أن تستمر في عيش الحياة ضمن هذه الحدود.
عندما تستطيع، نذهب للتريُض.
الأرقام الآن سيئة بقدر ما يمكن لها أن تكون. أطباء الأورام لن ينطقوا بها، لكنهم يتركونها تتسرب عندما يتحدثون عن أهداف العلاج. "ستة أشهر أخرى دون تفاقم". إننا ندرك ما يعنيه ذلك، حتى لو كانوا مترددين في إعطاء جدول زمني.
أعتقد أني أعرف ما قد أريده لو كنت في مكانها، لكني، على الأرجح، لا أعرف. فكلانا يخشى أشياء مختلفة، على الرغم من أننا نخشى الحدث ذاته.
ومضات الفرح
أحاول أن أجعل الأمور طبيعية قدر الإمكان. أحرص على أن نلتقي بالأصدقاء. نشاهد الأفلام. نذهب إلى المتاحف. سنشاهد عرض "كارمينا بورانا" (Carmina Burana) في وقت لاحق من هذا الشهر. لقد زرنا “عالم ديزني” أكثر من مرة، ويعود الفضل في ذلك جزئيًا إلى أنهم يجعلون تجربة المرض هناك سهلة للغاية.
شاهدنا كسوف الشمس العام الماضي. بكت. التقطتُ أنا الصور. إحدى الصور أفسدتها الغيوم بشكل جميل؛ وهي معلقة الآن في غرفة معيشتنا.
تقيم أختها في جزيرة هاواي الكبرى (Big Island of Hawai). ذهبنا لزيارتها الصيف الماضي. لحسن الحظ، كانت زوجتي تشعر بتحسن كبير خلال تلك الفترة، وشعرنا أن السرطان لم يعد يقيدنا كثيرًا. بيد أني كنت أتعامل، في ذلك الإبان، مع أزمة مهنية، فلم أستمتع بالرحلة كما ينبغي. ولعله من المحتمل أن أظل نادماً على ذلك فترة طويلة، وإن كنت لا أرى كيف كان بمقدوري أن أتصرف على نحو مختلف. ذهبنا لمشاهدة النجوم على بركان ماونا لوا (Mauna Loa.). التقطنا ما قد تكون آخر صورة لنا معًا يمكنني أن أنظر إليها وأتذكر أنني كنت متفائلًا إلى حد ما.
النزوح
ثمة شعور بالذنب، بالطبع، بيد أنه في حالتي يتخذ شكلاً محدداً. في كانون الثاني من عام 2023، انتقلنا لأنني باشرت وظيفة جديدة. وإذ ذاك ألغت زوجتي موعداً لطب الأسنان في ولاية كارولينا الشمالية، على أن تذهب إليه لاحقاً. ولربما كانوا سيكتشفون السرطان بسرعة كافية لو أنها ذهبت. لم تكن لديها أي عوامل خطورة، وكان من المستحيل التنبؤ بذلك.
بيد أن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، إذ ينتابني شعورٌ، أحياناً، بأني اتخذت القرار الصحيح بالنسبة لي، وفي المقابل، قتلت زوجتي.
كانت هناك زيارة أخرى للطوارئ ليلة الأحد الماضي. بعد ظهر يوم الاثنين، عدنا إلى المنزل، وكنا بائسين وحزينين. قلت لها الحقيقة: كنت أخشى أنه بعد رحيلها، لن ينظر إليّ أحد بالطريقة التي تنظر بها إليّ. لن يحبني أحد بقدر ما تحبني. لن يحبني أحد لنفس الأسباب التي أحبتني من أجلها - هذا أمر مؤكد. أنا شخص مختلف الآن.
بيد أن هذا الشخص الذي غدوتُه قد تشكّل، في جزء كبير منه، بفعل ما كانت هي تحتاجه.
لقد تزوجنا صغاراً. كنتُ أول من تزوج بين أصدقائي في المدرسة الثانوية والجامعة، وكانت هي الثانية بين صديقاتها. وقد مررنا بكثير من الأوقات الصعبة؛ وكنتُ أنا، على وجه الخصوص، صعب المراس.
إنني أرى الأمور بوضوح. ينسى الكثير من الناس الأوقات الصعبة في هذه المرحلة، أو سينسونها بعد رحيل أزواجهم، لكني ما زلت أتذكر، وأعلم أني سأتذكر دائماً. وكانت ثمة أوقات هي أيضاً صعبة المراس. لكن ذلك لا يهم. لقد اخترنا أن نحب بعضنا البعض، واستمررنا في ذلك حتى غدونا بارعين فيه. (كنا نعتقد أننا بارعون فيه منذ البداية، لكننا لم نكن كذلك).
لم أكن مولعًا بالحنين إلى الماضي يومًا، وكنت أرفض أن أستثنيها من ذلك. سأحبها دائمًا كما كانت تمامًا. بيد أن ذلك يشمل حبها العميق والثابت لي، ذلك الحب الذي لم يتزعزع قط حتى حين كان، هذا الحب، مُلتبساً ولا يعرف كيف بإمكانه مساعدتي. لقد فاق إيمانها بي إيماني بنفسي، ويتعين عليّ الآن أن أتحمل نصيبي من هذا الإيمان.
من يتحدث باسمي؟
الخوارزميات قاسية. تكتشف بسرعة أن زوجتك مصابة بالسرطان وتبدأ في عرض المحتوى المناسب. لا أستهلك الكثير منها؛ فهي ليست لي. فكل شخص أراه يتحدث عن مرض زوجه العضال هو امرأة. ولعل هذا جزء من السبب الذي حدا بي إلى كتابة هذا النص.
فلا أحد يخبر الرجل بما هو مُرتَقَب منه، وثمة ندرة في المعلومات حول الدور الذي من المفترض أن يضطلع به في مثل هذا الموقف. ولا يهم إن كانت تلك المزاعم حول تخلي الرجال عن زوجاتهم المريضات زائفة، إذ تبدو للكثيرين حقيقية لأن الأزواج، في غالب الأمر، سيئون جداً في هذا الأمر قياساً بالزوجات. وربما كانت المسألة، في حقيقة الأمر، مشكلة في غياب المعرفة المتوارثة، لا فشلاً ذكورياً متأصلاً. لست أدري.
إذا كنت أبلي بلاءً حسنًا، فأنا أشرح ذلك بالطريقة الوحيدة التي أستطيعها الآن. ربما سأفعل ذلك بشكل أفضل مع مرور الوقت. يمكنني أن أحاول مرة أخرى.
أجب دعائي يا الله Exaudi Deus
إن المرء يصلي، بالطبع، من أجل أن تتحسن زوجته. وأنا أفعل ذلك، بيد أني لا أُكثر منه. فلا أريد أن أجد نفسي منزلقاً إلى مساومة الله، كما أني لستُ على بيّنة، دائماً، مما أفكر به حيال العناية الإلهية. أدرك أن الموت ليس الغرض الذي خُلقنا من أجله، لكنه، في الوقت عينه، نعمة؛ إنه دواء، وشرابٌ علقم.
لذا، أصلي الصلاة الربانية: لكن تلك الكلمات، "لتكن مشيئتك"، اتخذت نبرة جديدة. أفهمها بشكل أفضل الآن. آمالي، رغباتي، حياتي المثالية: أنا أضع كل ذلك جانبًا وأطلب تحقيق مشيئة أخرى غير مشيئتي. أؤمن بإله يمكنه، في لحظة، ليس فقط إزالة السرطان بل إعادة ترميم كل جزء مكسور ومشوه في جسد زوجتي: لكنني لا أستطيع أن أطالبه بأن يفعل ذلك.
لتكن مشيئته، لا مشيئتي.
يعتقد الكثير من الناس أن الإيمان يمثل عزاءً في مثل هذه الأوقات. وهو كذلك، بيد أنه ليس بالطريقة التي يعتقدها معظم غير المؤمنين؛ أي أنه يتعلق بالراحة السماوية التي تنتظر المُبتلى. فليست فكرة القيامة هي التي تعزي بقدر ما هي الممارسات اليومية التي يتطلبها الإيمان. لقد صلينا صلاة الغروب منذ قليل، وقد استجلبت لي من العزاء ما يفوق أي عقيدة.
ومع ذلك، فإن للنبوءات والعقائد مكانها أيضاً؛ إذ يجد المرء، أحياناً، نبعاً صافياً في البراري. ففي كانون الأول، رنمنا ترنيمة "ليصمت كل جسد بشري" Let All Mortal Flesh Keep Silence ، وصباح أحد [رنمنا]:
King of kings, yet born of Mary,
As of old on earth He stood,
Lord of lords, in human vesture,
In the body and the blood;
He will give to all the faithful
His own self for heav'nly food.
مَلِكُ الْمُلُوكِ، ابن مَرْيَمَ،
كَمَا وَقَفَ عَلَى الأَرْضِ مُنذُ الْقِدَمِ،
رَبُّ الأَرْبَابِ، فِي حُلَّةٍ بَشَرِيَّةٍ،
بِالْجَسَدِ وَالدَّمِ؛
سَيُمنَحُ ذَاتَهُ لجَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ طَعَامًا سَمَاوِيًّا.
حين بلغ الترنيم المقطع الثاني، غلبني البكاء، إذ شعرتُ، في تلك اللحظة، بشيء من الثقل اللامتناهي لسر التجسد، وبالمعجزة اليومية لمائدة القربان المقدس. ولم أستطع، إثر ذلك، التوقف عن النحيب لساعات. وها أنا أبكي الآن وأنا أسطّر هذه الكلمات، بيد أن العزاء ليس سوى صدى.
الراعي
كان ربنا واضحًا حول يوم البعث: "لا يزوجون ولا يتزوجون". مهما كان الزواج، فهو من هذه الحياة، وعندما تغادرها زوجتي، ينتهي. لذا عليّ أن أفعل كل ما بوسعي بينما لا تزال معي.
بعض هذا، بالطبع، مجرد عزاء؛ هو محاولة لخلق بيئة نستطيع فيها الشعور بالفرح. وجزء كبير منه؛ هو عدم ترك حقيقة قاسية تفلت من انتباهنا، أو واجب يُهمل إلى أن يفوت الأوان.
أرسلت رسالة إلى قِّسنا بالأمس، وأخبرته أن المرض الآن في مراحله النهائية على الأرجح. إذا حالفنا الحظ، سنحظى بعام آخر، وربما عامين. قبل فوات الأوان، نجد أنفسنا نُعاجل التفكير في كل شيء دفعة واحدة، بينما ينبغي علينا أن نفعل أي شيء آخر، نحن بحاجة للحديث عن الأمر. أين ستُدفن؟ كيف سنرتب لذلك؟ ما الموسيقى التي سَتُعزف في الجنازة؟ وهل يمكننا أن نفعل ذلك بسرعة مفاجأة، ذلك أنها لا تود أن يُحنَّط جسدها ؟
وافق القِس على ضرورة الحديث في الأمر؛ ربما شعر بالارتياح. لدي عدد من الأصدقاء القساوسة، وكنت مقربًا من قس ذو رعية كبيرة. أعرف كيف يؤجل الناس هذا الأمر، وكم تكون العائلات غير راغبة في إجبار الشخص المريض على خوض هذه البروفة المروعة.
لكنه أيضًا تذكير بالموت (Memento mori) لكلينا، وعليك أن تدعه يقوم بعمله الصالح. لقد فكرت كثيرًا في كيفية تعاملنا مع الموت منذ أن بدأ هذا الأمر. ملأت تقويمي بتواريخ فقدان أحبتي حتى أتذكرهم بقراءة “صلوات الموتى” (Office of the Dead) من أجلهم مرة في السنة. لا أريد أن أغفل عن هذا تمامًا، على الرغم من أنني أعرف أن الشعور سيخفت مع مرور الوقت.
الفولاذ البارد
يمر المرء، إذن، بما يشبه التدريبات على استشعار الأحزان المستقبلية. بيد أن هذا الاستبصار، وإن خفف من وقع المفاجأة، فإنه لا يوهن من حدة الشعور الذي لا بد أن يتجلى في مرحلة ما. فقد يتحدث المرء ببرود موضوعي مع الطبيب في ساعة، ليجد نفسه، في ساعة تالية، منكمشاً على ذاته في مواجهة فراغٍ يطالب بألا يُملأ أبداً. وفي مثل تلك اللحظات، تتجلى نزعةٌ لتحويل الأسى إلى مُطلق، إلى صنمٍ يُعبد.
ولقد شهدتُ تجسيداً لهذا الواقع في أيار الماضي، حين رزقت شقيقتي طفلة. إذ ارتحلنا إلى كنتاكي خلال عطلة الرابع من تموز للإقامة مع والديّ ورؤية شقيقتي وابنتها. وفي ليلة وصولنا، أخبرتُ والدتي أن الأشعة المقطعية قد أكدت امتداد السرطان إلى الكبد. ولما كانت والدتي ممرضة، لم يكن بي حاجة لإخبارها بدلالات هذا الأمر، فقد ارتسمت على وجهها. لم يستأثر بي الأمر حينها، لكنه عاد ليلحق بي لاحقاً؛ لأن حزن والدتي عليها، في حقيقة الأمر، هو حزنٌ عليّ أيضاً؛ إنه وعيٌ مزدوجٌ بالفقد.
إن زوجتي تحتضر. وإن وُجدت فرصة للنجاة، فإنها في هذه اللحظة، على وجه التحديد، تحتضر. والقول بغير ذلك يمثل ضرباً من الكذب على الذات، وعليها، وعلى كل من يهمّني أمره. فالوضع جلل، والأسى له ما يسوّغه.
لا أحد يرسم للمرء خارطة طريقه في الحزن، سواء كان ذلك قبل الموت أم بعده. فليس ثمة فترة حداد متعارف عليها تمنح الإذن بالانسحاب من المجتمع، ولا تاريخ محدد يُتوقع من المرء أن يستأنف فيه حياته. وعليه، يتعين على الإنسان، بصورة ما، أن يفرض على نفسه الأولى، وأن يمتلك من الجسارة ما يكفي للإقدام على الثانية. فهل هي ثلاثة أشهر؟ أم ستة؟ أم اثنا عشر؟ أم ستة وثلاثون؟ من يدري.
لديّ أصدقاء، وأدرك أني لن أذوي، وأعلم أنه ستكون ثمة حياة طبيعية في يوم من الأيام.
بيد أني لن أنسى قط: سأغدو شخصاً آخر غير الذي كنتُه، حتى لو عاشت عشرين سنة أخرى. فحين أُجبر على تأمل مسار حياتي، سأدرك أني لم أتحول إلى شخص مختلف لأني اضطررت إلى ذلك كي أكون زوجاً أفضل وحسب، وإنما لأني اضطررت أيضاً إلى أن أكون إلى جانبها وهي تحتضر.
Confitemini Domino quoniam bonus.
اشكروا الرب لأنه صالح.




